آليات واحتمالات عزل ترامب

عرض الصورة

نشر في يوم السبت 08 سبتمبر 2018 الساعة 15:18 مساءً

د. ناجي صادق شراب

 

تتزايد الاجتهادات والنقاشات حول إمكانات عزل الرئيس الأمريكي ترامب، لما لقرارات وسياسات الرئيس الأمريكي من تأثير يتجاوز كل الحدود، خصوصاً قراراته الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي أثارت تخوفات كبيرة من حدوث كارثة، أو أزمة عالمية. ومن هنا تراوحت هذه التحليلات ما بين الأمنيات، وما بين الواقعية في التحليل. 

 

والسؤال المباشر الذي أثير: هل من إمكانية لعزل الرئيس الأمريكي.. وهل اقتربت فترة نهاية رئاسته؟ والإجابة عن هذا السؤال تستوجب الإجابة عن التساؤل أولاً، لماذا فاز الرئيس الأمريكي، وما هي عناصر قوته، وما هي الحصانات التي يتمتع بها؟ الإجابة تتطلب الوقوف على السياق السياسي والمجتمعي الذي يحكم من يتولى منصب الرئيس، ويتحكم في وصوله، وبقائه، وثانياً السياق الدستوري والقانوني الذي يميز النظام السياسي الأمريكي. 

 

وقبل الولوج في تحليل هذه السياقات لا بد من التذكير بأهم خصائص النظام السياسي الأمريكي . إذ رغم أن النظام الأمريكي رئاسي، يلعب فيه الرئيس دوراً محورياً، ولا نبالغ إذا قلنا إن منصب الرئاسة يشكل قطب النظام السياسي كله، لذلك وضع المؤسسون الأوائل كل السلطة التنفيذية في يديه، فالكل مسؤول أمامه. وتم منحه سلطات تنفيذية وتشريعية وحتى قضائية، وحرصاً من المؤسسين، وتخوفهم من تحوله إلى ديكتاتور أوجدوا نظام الكوابح ما بين السلطات الثلاث، والعلاقة بينها تقوم على الفصل المطلق عضويا وليس وظيفياً. ووفقاً لهذا النظام فالسلطة تحد من تغول السلطة الأخرى. وحيث إن الرئيس، وهذه صفة يتفرد بها النظام، ينتخب مباشرة من قبل الشعب، ووفقاً للكلية الانتخابية، ونظراً لصعوبة أن يقوم الشعب مباشرة بمحاكمة الرئيس، فالبديل لذلك هو الكونجرس بمجلسيه، لأنه يمثل إرادة الشعب، وتساوي سلطاته أو قوته ونفوذه، قوة ونفوذ الرئيس، ولذلك فإن إحدى الآليات للعزل تبدأ من الكونجرس. ويبقى الرأي العام حكماً عاماً يحكم سلوكات كل من الرئيس، والكونجرس، لأنه في النهاية هو من سيختار في انتخابات دورية، ولهذا لا أحد يغفل قوة الرأي العام، والناخب، واللوبيات.

 

هذا الإطار فيه قدر من الإجابة لماذا فاز الرئيس؟ عوامل كثيرة تجيب عن هذا السؤال، وهي نفسها تشكل حصانة لعدم عزله. فالرئيس الأمريكي هو رئيس استثنائي لا يشبه من سبقه، فهو حالة استثنائية أوجدته ظروف استثنائية تمر بها الولايات المتحدة من شعبوية، وقومية جديدة، تقوم على الطبقات المتوسطة الفقيرة المهمشة التي تتطلع لأن يكون لها دور على حساب الطبقة التقليدية التي تنتمي للشركات الكبرى والمؤسسة التقليدية التي سئمت منها هذه الطبقة. فالرئيس الأمريكي جاء من خارج هذه المؤسسة، وما زالت هذه القاعدة الجماهيرية تشكل قوة كبيرة للرئيس، وتؤيد تمسكه بشعاره «أمريكا أولاً». يضاف إلى ذلك الازدهار الذي تحقق، إذ بلغ معدل النمو 4 في المئة، والبطالة تدنت إلى ما تحت الأربعة في المائة. ومما يعمل لمصلحته ضعف المعارضة، فهي تفتقر إلى مشروع واستراتيجية واضحة، ذلك أن الديمقراطيين يتجهون نحو اليسار، وهذا لا يتوافق مع الأغلبية من الشعب الأمريكي، خصوصاً ما يعرف اليوم بالقومية البيضاء التي يمثلها الرجل الأبيض. ويساعد ترامب أيضاً ما يعرف بمناطق حزام الصدأ التي كانت مهمشة في الإدارات السابقة. فهو جاء على خلفية انقسام وتحولات في البنية الاجتماعية التي ما زالت تعمل لمصلحته. ومن النقاط المهمة أيضاً التحولات التي صاحبت الثورة الرقمية التي تنظر إلى السياسة من باب الترفيه، وظهرت الدعوة للربط بين السياسة والترفيه، وترامب كرجل صفقات وعقارات وله خلفية كبيرة، يجيد هذا الربط. 

 

الحزب الجمهوري المؤيد والداعم له، يدرك هذه التحولات، ويخشى أن يتخلى عن رئيسه، كما حدث في سيناريو الرئيس نيكسون، تجنباً لغضب القاعدة الجماهيرية، وخشية أن يفقد مقاعده في الانتخابات النصفية لمجلس النواب كله، ولثلث أعضاء مجلس الشيوخ. هذه القوة التي تمثلها العنصرية العصبوية القومية تشكل حسب تعبير بعض المحللين، مثل طبقة «التيفال» التي تشكل منطقة عازلة، ولذلك يطلق عليه، كما أطلق على الرئيس ريجان، الرئيس «التيفال». هذه المحددات هي التي دفعت الرئيس ترامب لأن يحذر من خطورة عزله، لأن ذلك قد يتسبب بكارثة ستلحق بالمواطن الأمريكي الفقير، وستتسبب بأزمة مالية عالمية. لكن رغم هذه المحصنات التي تحمي الرئيس الأمريكي من العزل في المدى القريب، يبقى النظام السياسي الأمريكي نظاماً يحكمه الدستور والمؤسسات، وليست الشخصانية.

رابط مختصر

التعليقات